المفترق
8.000DT 10.000DT
في المخزن

الكاتب : نبيهة العيسي

المفترق لنبيهة العيسي : حين يتحوّل اليومي إلى أثر جماليّ المفترق: مجموعة قصصية لنبيهة العيسي صادرة في طبعتها الأولى، تونس 2018 عن دار زينب للنشر والتوزيع وتتضمّن ستّ عشرة قصّة من بينها المفترق التي أعارت عنوانها إلى المجموعة. استهلّت نبيهة العيسي مجموعتها بإهداء أعمالها إلى قارئها، ذاك التائه بين مفترقات الطرق، "إليك أيّها القارئ ... إلى من رمت به رياح الوقت بين مفترقات الطّرق" (ص5). وأعقبت الإهداء بتصدير أخذته عن "استريحي" لأمل دنقل في استدرج للشعر إلى عالم القصّة. وفي التصدير تعالق مع العنوان "المفترق" ومع أنت القارئ الذي حدّثته في الإهداء، فجاء التصدير مواصلة لحوار تكتنفه الحيرة رغم الإيهام بالثبات في الجملة الأولى التي جاءت لتقرّ واقعا: " لم يبق سوى السّير على المفترق"، واقع هو بؤرة الحيرة ويقين مشرف على الاضطراب والتفرّق ونفي لكلّ إمكانات الاختيار، "لم يبق سوى السير على المفترق"، ويُدعم ذلك الاختيار – الفرض، بالاستفهام التائق إلى مرسى فلا يجده: "كيف أقصيك عن النار وفي صدرك الرّغبة لتحرقني كيف أدنيك من النهر؟ وفي قلبك الخوف وذكرى الغرق؟. حرصت نبيهة العيسي أن تصدّر كلّ نصّ من نصوصها بمقتطف لكاتب أو شاعر أو فيلسوف فاستحضرت الطّاهر بن جلّون وسارتر ونيتشه وخيرة الشيباني ومحمود درويش وفدوى طوقان وطاغور وغادة السمّان ولاكان ومحمّد الماغوط وأولاد احمد وأدونيس فجمعت بذلك بين عصور مختلفة وبين مشرق ومغرب في رحلة تنفي غربة المكان. وبين بداية الرّحيل ونهايته ترسم الكاتبة طريق الكتابة. رحلة بدأت برحيل في الاتّجاه المعاكس وانتهت باسم في عالم بلا أسماء تتصدّره أسطر لأدونيس: الرّحيل انتهى... والطّريق صخرة عاشقة غير أنّا غدا نهزّ جذوع النّخيل غدا نغسل الإله الهزيل بدم الصّاعقة. (ص84). رحيل في الرّوح وبحث عن مرفإ يُنهي حيرة المفترقات ووجعا يقيم يراكمه أقرب الأقربين، تقول: "القلق والوحدة، هذا ما أورثك إيّاه أبوك... كان يغيب أيّاما بل أشهرا فلا تصلكم منه غير أخبار هزيلة يعيشون على وقعها في انتظار أن يعود" (ص10). حكايات تتنفّس من اليومي وتعيد صوغه بلطافة اللغة وعمقها، شخصيّات أتعبتها يوميّاتها وضغط الحياة الذي لا يمهلها، تقول في المفترق: "لو وقعت عينا أحدهم عليَّ ساعتها لظنّ أنّي فقدت عقلي: يداي متشنّجتان على المقود وجبيني ينضح بالعرق وقدمي متيبّسة من فرط الضغط على المكبح."(ص19). وتقول في ميلاد جرح: "قريبا سأحتفل بميلاد جرحي الأوّل، وأنا أدعوك، بهذه المناسبة لتشاركني الاحتفال... اعذرني فالحفلة لن تكون على قدر المقام، لأنّي لن أتزيّن كما تفعل النّساء، فقد كسرت جميع المرايا، ولن أتعطّر، فلا عطر يمحو رائحة العفن السّاكنة في أنفي ولن ألبس ثوبا تطلّ من ثناياه أزهار بستاني، فقد اجتثّ القدر أشجاري بجرّافاته، وسوى قممي بالأرض، ولكّني رغم ذلك مصرّة على الاحتفال وعلى إطفاء شموع الألم المتأجّجة في أعماقي. فهل تأتي؟" (ص28). وبين حيرة الشخصيّات وتيهها ويوميّاتها ومتاعبها، تحفل نصوص نبيهة العيسي بالتصريح والتلميح إلى واقع يتجاوز اليومي إلى شرط وجود. تقول في زائر اللّيل: "الجبل العظيم تسربل بالدّخان ونطق بالحكم، جبل الرّصاص أعلن أنّه سيطرد كلّ من عشّش في مغاراته واقتات من شجره... ذُعر سكّان الجبل... تأبطوا غضبهم وتفرّقوا أشتاتا في أنحاء المدينة... زائر اللّيل طرق بابي... وفي لمح البصر، أخرج سلاحا كان في جرابه ودفعني بعنف إلى الشّارع قبل أن يدخل إلى بيتي." (صص45-46). وتقول في اسم في عالم بلا أسماء: "أغمض عينيّ في خدر لذيذ فترتسم في أعماقي صورة ذاك الذي اغتيل منذ... في ظروف غامضة...(ص87). ولم تغفل نبيهة العيسي مرح الرّوح رغم صعوبة الموقف ووجعه، فالطرافة حاضرة والبسمة تطلّ من الوجع وتأخذ أشكالا مختلفة تنتهي في الأخير إلى رفع العبء عن الشخصيّة والمتلقّي في الوقت ذاته. نبيهة العيسي وفيّة لرشاقة لفظها وتمكّنها من مستلزمات الحكاية. سعدية بن سالم